منصة عربية مستقلة لمتابعة أخبار وتحليل عالم العملات الرقمية

استراتيجية البلوكشين والويب3 في المغرب: نحو مركز رقمي إفريقي بحلول 2030

استراتيجية البلوكشين والويب3 في المغرب ضمن Digital Morocco 2030

استراتيجية البلوكشين والويب3 في المغرب: نحو مركز رقمي إفريقي بحلول 2030

منذ سنة 2024 دخل المغرب مرحلة جديدة من التحول الرقمي مع إطلاق استراتيجية Digital Morocco 2030، وهي رؤية شاملة تسعى إلى إعادة رسم ملامح الاقتصاد الوطني عبر التكنولوجيا المتقدمة. هذه الخطة لا تقتصر على رقمنة الخدمات الإدارية أو تحسين البنية التحتية الرقمية، بل تتجاوز ذلك نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة، الابتكار، والثقة الرقمية، حيث تلعب البلوكشين وتقنيات الويب3 دوراً محورياً.

الرهان هنا ليس تقنياً فقط، بل يرتبط بمفهوم السيادة الرقمية والقدرة على التحكم في البيانات والبنية التحتية الحساسة. في عالم يتجه نحو الاقتصاد الرقمي المترابط، يسعى المغرب إلى تعزيز استقلاليته التكنولوجية، جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتحويل نفسه إلى منصة تكنولوجية إقليمية تربط إفريقيا بأوروبا. وفي قلب هذه الرؤية، تظهر البلوكشين كأداة لإعادة تعريف الثقة، سواء في المعاملات، أو في السجلات العمومية، أو في الاقتصاد الرقمي الناشئ.

Digital Morocco 2030: تحول هيكلي شامل

تم الإعلان الرسمي عن الاستراتيجية في 25 سبتمبر 2024 بالرباط، بحضور رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الرقمية والمنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات التكنولوجية.

تحدد الخطة أفقاً زمنياً إلى غاية 2030، مع أهداف كمية واضحة تعكس حجم الطموح الوطني. ومن أبرز هذه الأهداف:

  • خلق حوالي 240 ألف منصب شغل مباشر في قطاع الرقمنة.
  • المساهمة بنحو 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام بحلول 2030.
  • تكوين أكثر من 100 ألف إطار سنوياً، بينهم 45 ألف في المهارات الرقمية المتقدمة.
  • الارتقاء بترتيب المغرب في مؤشر الحكومة الإلكترونية من المرتبة 113 إلى ضمن أفضل 50 دولة عالمياً.
  • الوصول إلى 3000 شركة ناشئة نشطة، مع ظهور شركات سريعة النمو وربما شركات “يونيكورن”.

وقد تم رصد ميزانية أولية تتجاوز 11 مليار درهم للفترة 2024-2026 لتسريع المشاريع الرقمية الكبرى، تشمل تحديث مراكز البيانات، تطوير منصات الخدمات العمومية، ودعم منظومة الابتكار.

هذه المعطيات تؤكد أن الرقمنة أصبحت ركيزة استراتيجية للنمو الاقتصادي، وليست مجرد مشروع إداري ظرفي. كما تعكس رغبة في تقليص الفجوة الرقمية وتحسين تنافسية المغرب على المستوى الدولي.

البلوكشين كتكنولوجيا تمكينية عابرة للقطاعات

على عكس الذكاء الاصطناعي الذي يُطرح كمحور مستقل في الخطاب السياسي، تم إدماج البلوكشين داخل الاستراتيجية كأداة تمكينية تخدم عدة قطاعات بشكل أفقي. هذا الإدماج يعكس فهماً بأن قيمة البلوكشين تكمن في قدرتها على إعادة هندسة العمليات وتعزيز الثقة المؤسسية.

في مجال الحكومة الإلكترونية، يمكن للبلوكشين أن يعزز شفافية توزيع الدعم الاجتماعي، ويحمي السجلات الإدارية من التلاعب، ويوفر هوية رقمية موثوقة للمواطنين. وثيقة الميزانية لسنة 2026 أشارت صراحة إلى منصة بلوكشين مخصصة للتحقق من الهوية وحفظ الوثائق الإدارية بشكل آمن، وهو مؤشر رسمي على انتقال التقنية من مستوى الفكرة إلى مستوى التخطيط التنفيذي.

في قطاع الصحة، يمكن للبلوكشين أن تسهم في حماية السجلات الطبية وضمان مشاركة البيانات بطريقة آمنة بين المؤسسات. أما في التعليم، فقد برزت مبادرات جامعية مثل مشروع BlockMEDC الذي يهدف إلى توثيق الشهادات الجامعية عبر العقود الذكية، مما يحد من تزوير الدبلومات ويسهل الاعتراف الدولي بها.

في مجال العدالة وحفظ الأرشيف، توجد تجارب أولية لاستعمال البلوكشين في تخزين الأدلة الرقمية والسجلات الحساسة بطريقة غير قابلة للتلاعب، ما يعزز مصداقية المنظومة القضائية ويقلل مخاطر الفساد.

هذه الاستخدامات تؤكد أن البلوكشين في المغرب تُطرح كأداة لبناء الثقة المؤسساتية وتحسين الحكامة، وليس فقط كمنصة للعملات الرقمية أو المضاربة.

الأصول المشفرة والويب3: انفتاح منظم وتدريجي

رغم دعم استعمال البلوكشين على المستوى المؤسساتي، ظل موضوع العملات المشفرة حساساً منذ قرار الحظر سنة 2017. غير أن التطورات العالمية، خاصة بعد اعتماد إطار MiCA في الاتحاد الأوروبي، دفعت المغرب إلى إعادة تقييم مقاربته.

مشروع القانون 42.25، المستلهم من MiCA، يمثل نقطة تحول مهمة. ففي فبراير 2026، يخضع المشروع للنقاش البرلماني، مع توقع اعتماده منتصف السنة. الهدف هو الانتقال من منع غير فعال إلى تنظيم محكم يشمل منح تراخيص لمقدمي خدمات الأصول الرقمية (CASP)، وتطبيق معايير صارمة لمكافحة غسل الأموال والتحقق من الهوية.

المقاربة المغربية تميل إلى دعم ويب3 (Web3) منظم، يوازن بين الابتكار وحماية الاستقرار المالي. يتم إعطاء أولوية للعملات المستقرة المرتبطة بالدرهم ولمشروع الدرهم الرقمي (e-Dirham) الذي يوجد في مرحلة تجريبية، سواء على المستوى المحلي أو في سياق المدفوعات العابرة للحدود.

هذا التوجه يعكس رغبة في احتواء الظاهرة بدل تركها في الظل، خاصة وأن تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود ملايين المستخدمين المغاربة للعملات الرقمية رغم الحظر السابق.

شراكات استراتيجية وبناء منظومة ويب3 محلية

تعزيز البلوكشين والويب3 لا يقتصر على الجانب التشريعي، بل يشمل بناء منظومة متكاملة تجمع بين التكوين، الاستثمار، والشراكات الدولية.

من بين المبادرات البارزة، شراكة مع Hedera لتطوير حلول قائمة على البلوكشين لفائدة الخدمات العمومية وريادة الأعمال في شمال إفريقيا. كما تم إطلاق برامج تكوين بالتعاون مع Binance Academy ومراكز متخصصة لإدماج هندسة البلوكشين ضمن المسارات الجامعية، خاصة في الدار البيضاء.

تم تخصيص أكثر من 700 مليون درهم لدعم الشركات الناشئة عبر برامج استثمار مبكر، وبعض هذه المشاريع ينشط في مجالات ترميز الأصول، تتبع سلاسل الإمداد، التمويل الرقمي، وحلول ويب3 موجهة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

هذه الدينامية تهدف إلى خلق كتلة حرجة من الكفاءات والمشاريع المحلية، بما يقلل من هجرة العقول ويعزز تنافسية المغرب إقليمياً.

مقارنة إقليمية: ريادة مغاربية واضحة

على مستوى المغرب العربي، يتقدم المغرب بخطوات ملموسة مقارنة بجيرانه. الجزائر تحافظ على حظر صارم للعملات المشفرة مع تشديد العقوبات، بينما تعيش تونس حالة منطقة رمادية مع نقاشات حول تخفيف القيود دون إطار تنظيمي واضح حتى الآن. ليبيا، بسبب تحدياتها السياسية، لا تتوفر على استراتيجية رقمية متماسكة في هذا المجال.

المغرب يجمع بين نسبة تبني مرتفعة نسبياً، واستراتيجية بلوكشين مؤسساتية، وانتقال نحو إطار تنظيمي واضح. هذه العناصر تمنحه فرصة التحول إلى مركز إقليمي يربط إفريقيا بأوروبا ويستفيد من موقعه الجغرافي وشبكاته اللوجستية.

أما مقارنة بمصر، فالفارق يكمن في المقاربة التنظيمية. بينما تعتمد مصر سياسة حظر صارم رغم انتشار الاستخدام غير الرسمي، يتجه المغرب نحو تنظيم رسمي ومنفتح نسبياً، مع إدماج البلوكشين في مشاريع الدولة.

نقاط القوة والتحديات حتى 2030

من نقاط قوة المغرب: موقعه الجغرافي الاستراتيجي، قاعدة شبابية واسعة، إرادة سياسية لتعزيز السيادة الرقمية، ونمو ملحوظ في منظومة الشركات الناشئة.

لكن التحديات قائمة، من بينها بطء بعض المشاريع التجريبية، احتمال الإفراط في التنظيم مما قد يثقل كاهل الابتكار، وهجرة الكفاءات نحو مراكز إقليمية مثل دبي وأوروبا.

كما أن نجاح الاستراتيجية يتطلب تنسيقاً فعالاً بين المؤسسات، وضمان انسجام السياسات المالية، التكنولوجية، والتعليمية.

سنة 2026 تبدو مفصلية. اعتماد قانون 42.25 ومنح أولى التراخيص سيحدد مسار السوق لسنوات قادمة. نجاح الانتقال من مرحلة التجارب إلى تطبيقات واسعة النطاق سيكون عاملاً حاسماً في ترسيخ مكانة المغرب كمركز ويب3 منظم في شمال إفريقيا.

خاتمة

استراتيجية البلوكشين والويب3 في المغرب ليست مجرد خطاب تقني، بل جزء من رؤية اقتصادية طويلة المدى تسعى إلى إعادة تموقع المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

عبر دمج التكنولوجيا في الإدارة العمومية، وتنظيم الأصول المشفرة، ودعم الابتكار المحلي، يحاول المغرب بناء نموذج متوازن يجمع بين الانفتاح والرقابة، وبين الابتكار والاستقرار.

الرهان الحقيقي يكمن في التنفيذ العملي والسرعة في تحويل الخطط إلى مشاريع ملموسة. فإذا تحولت المشاريع من أوراق استراتيجية إلى أنظمة تشغيلية فعالة، فقد يشهد العقد الحالي صعود المغرب كمرجع إقليمي في البلوكشين والويب3 المنظم، مع إمكانية لعب دور قيادي في القارة الإفريقية.

Retour en haut

آخر المستجدّات حول الكريبتو

طوّر معرفتك بالكريبتو

تحليلات حول الكريبتو 

أخبار الكريبتو حسب الدولة

الموقع قيد التطوير

نحن نعمل حالياً على بناء هذه الأقسام لتقديم محتوى دقيق وشامل يليق بكم
ستكون متاحة بالكامل في القريب العاجل
شكراً لتفهمكم