خلال السنوات الأخيرة، لم تعد العملات الرقمية في إيران مجرد أداة استثمارية أو ظاهرة تقنية عابرة. ما تكشف في بداية مارس 2026 يعكس واقعاً أكثر تعقيداً وعمقاً: إيران طورت تدريجياً منظومة مالية موازية تقدر قيمتها بحوالي 7.8 مليارات دولار، تعتمد على البيتكوين والعملات المستقرة كأدوات استراتيجية لتجاوز العقوبات الدولية والالتفاف على النظام المالي العالمي المرتكز على الدولار وشبكة SWIFT.
هذا التحول لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة مسار بدأ منذ 2019، حين قررت طهران تقنين التعدين بدل محاربته. بمرور الوقت، تطور هذا المسار من نشاط محدود إلى مكون شبه هيكلي داخل الاقتصاد الإيراني. وفي الوقت نفسه، أصبح استخدام العملات الرقمية بالنسبة للمواطنين مسألة بقاء مالي في ظل انهيار الريال وارتفاع معدلات التضخم.
وتأتي هذه التطورات في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية. فمع تصاعد التوترات العسكرية خلال الأيام الأخيرة، وتصدر أخبار الضربات المتبادلة واستهداف منشآت استراتيجية عناوين الصحف العالمية، عاد اسم إيران إلى واجهة المشهد الدولي بقوة. في خضم هذا التصعيد، يُطرح سؤال جوهري: كيف يؤثر النزاع الحالي على البنية التحتية للطاقة، وعلى شبكة التعدين، وعلى الاقتصاد الرقمي الموازي الذي بنته طهران خلال السنوات الماضية؟
اليوم، تقف إيران عند تقاطع حساس بين الاقتصاد، الجغرافيا السياسية، والطاقة، حيث تلعب العملات الرقمية دوراً يتجاوز بكثير مجرد الاستثمار أو المضاربة، لتصبح جزءاً من معادلة الصراع والعقوبات والتحولات المالية العالمية.
2019: نقطة التحول – تقنين تعدين البيتكوين كأداة سيادية
في يوليو 2019، اتخذت إيران قراراً استراتيجياً بتقنين تعدين البيتكوين رسمياً. لم يكن الهدف تقنياً بحتاً، بل اقتصادياً وسياسياً. الدولة سمحت للمعدّنين المرخصين بالعمل مقابل الالتزام ببيع البيتكوين المُنتج للبنك المركزي الإيراني.
الآلية كانت واضحة: كهرباء مدعومة من الدولة مقابل أصول رقمية صعبة الحجز. بهذه الطريقة، تحصل إيران على بيتكوين يمكن استعماله لتسوية واردات خارج النظام البنكي التقليدي، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على تعاملاتها بالدولار.
تكلفة إنتاج البيتكوين في إيران قُدّرت بحوالي 1,320 دولار للقطعة الواحدة في بعض الفترات، مستفيدة من دعم الطاقة. غير أن هذا الرقم ليس ثابتاً أو مطلقاً. فهو يتغير حسب مستوى الدعم، أسعار الوقود، الضغط على الشبكة الكهربائية، وحتى حسب فترات انقطاع الكهرباء التي شهدتها البلاد خلال سنوات مختلفة.
وبحسب تقديرات صناعية وتقارير طاقة منشورة سابقاً، فإن هذا التقدير يفترض توفر كهرباء مستقرة ومدعومة بالكامل. في حال تقليص الدعم أو فرض قيود على الاستهلاك الصناعي، قد ترتفع التكلفة الفعلية بشكل ملحوظ. رغم ذلك، يظل الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر السوق العالمي هامشاً مغرياً يمنح إيران أفضلية نسبية في هذا القطاع.
إيران والهاشرايت العالمي: حضور غير هامشي
رغم العقوبات، تمكنت إيران في بعض الفترات من تمثيل ما بين 2% و5% من إجمالي قوة التعدين العالمية، وفق بيانات Cambridge Centre for Alternative Finance وتقارير تحليل البلوكشين.
هذه النسبة قد تبدو محدودة، لكنها في شبكة لامركزية مثل البيتكوين تعني مساهمة ملموسة في أمان الشبكة ومعالجة المعاملات. ففي ذروة بعض الفترات، خاصة بعد خروج الصين من مشهد التعدين في 2021، ارتفعت مساهمة إيران بشكل ملحوظ.
هذا الدور لم يكن مجرد نشاط صناعي، بل أداة جيوسياسية. فكل بيتكوين يتم تعدينه داخل إيران يمثل احتياطياً رقمياً غير خاضع مباشرة للرقابة الغربية. وهنا يتحول التعدين من نشاط اقتصادي إلى أداة سيادة مالية.
7.8 مليارات دولار: ملامح اقتصاد ظل رقمي
وفق تقرير Chainalysis الصادر في يناير 2026، بلغ النشاط المرتبط بالعملات الرقمية في إيران حوالي 7.78 مليارات دولار خلال عام 2025. هذا الرقم تم تداوله على نطاق واسع في تقارير إعلامية متخصصة، ويعكس نمواً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة.
جزء مهم من هذه التدفقات مرتبط بجهات رسمية أو شبه رسمية. التقديرات تشير إلى أن محافظ مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني (IRGC) سجلت أكثر من 3 مليارات دولار من التدفقات خلال 2025، وهو ما يمثل نسبة معتبرة من النشاط الإجمالي في بعض الفصول.
لكن من المهم التنبيه إلى أن هذه الأرقام تعتمد على المحافظ المصنفة أو المعروفة لدى جهات رقابية مثل OFAC. وبالتالي، فإن الحجم الفعلي للنشاط قد يكون مختلفاً صعوداً أو نزولاً حسب مستوى الشفافية وكشف العناوين المرتبطة بهذه الجهات.
إضافة إلى ذلك، تشير تقارير تحليلية أخرى إلى استعمال واسع للعملات المستقرة مثل USDT في المعاملات التجارية والتحويلات، سواء من قبل مؤسسات أو أفراد.

USDT بين طوق النجاة والمخاطر السياسية
إلى جانب البيتكوين، يحتل USDT (تيثر) موقعاً محورياً داخل المنظومة التشفيرية الإيرانية. فهو يُستخدم على نطاق واسع كأداة لحفظ القيمة والتحوط من الانهيار المتواصل للريال، خصوصاً في ظل تقلبات السوق وارتفاع معدلات التضخم. بالنسبة لكثير من الإيرانيين، يشكل التيثر بديلاً عملياً عن الدولار النقدي الذي يصعب الحصول عليه داخل البلاد.
لكن هذا الاعتماد لا يخلو من مخاطر. خلال السنوات الأخيرة، تعرض عدد من المحافظ الإيرانية لعمليات تجميد من طرف شركة تيثر، شملت تجميد عشرات الملايين من الدولارات في محافظ مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني في يونيو 2025، إضافة إلى تجميد عناوين أخرى يُعتقد أنها مرتبطة بالحرس الثوري خلال يوليو وسبتمبر 2025.
هذه الأحداث تكشف جانباً مهماً غالباً ما يتم تجاهله: رغم أن العملات المستقرة توفر متنفساً مالياً في بيئة خاضعة للعقوبات، فإنها تبقى خاضعة لقرارات شركات مركزية يمكنها تجميد الأرصدة بضغط سياسي أو تنظيمي. وهنا يظهر التناقض بين البحث عن سيادة مالية عبر التشفير، وبين الاعتماد على أداة يمكن إيقافها بقرار إداري.
الاستخدام المزدوج: الدولة مقابل المواطن
الحالة الإيرانية تكشف عن استخدام مزدوج للعملات الرقمية.
من جهة، تستعمل الدولة التعدين والبيتكوين كأداة لتأمين الواردات وتخفيف أثر العقوبات. البيتكوين هنا يمثل « عملة تسوية » خارج النظام التقليدي.
من جهة أخرى، يلجأ المواطن الإيراني إلى العملات الرقمية كوسيلة لحماية مدخراته. الريال الإيراني فقد أكثر من 96% من قيمته أمام الدولار خلال السنوات الأخيرة، وفق حسابات تعتمد على السوق الموازية.

في بداية مارس 2026، وصل سعر الدولار في السوق غير الرسمية إلى ما يقارب 1.5 إلى 1.7 مليون ريال. هذا الانهيار، إلى جانب تضخم مرتفع يتجاوز عشرات النقاط المئوية، جعل العملات المستقرة أداة يومية لحفظ القيمة.
بالنسبة لعدد كبير من الإيرانيين، لم يعد البيتكوين استثماراً عالي المخاطر، بل وسيلة للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية. أما USDT فأصبح يُستخدم في التحويلات السريعة، خصوصاً في سياق قيود مصرفية داخلية وخارجية.
الطاقة: نقطة القوة ونقطة الضعف
تعتمد استراتيجية التعدين الإيرانية على توفر طاقة رخيصة ومستقرة. إيران تمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، ما سمح لها بتوفير كهرباء منخفضة التكلفة نسبياً.
لكن هذه الميزة تمثل في الوقت نفسه نقطة ضعف. فالتعدين نشاط كثيف الاستهلاك للطاقة. وأي خلل في البنية التحتية الكهربائية، سواء بسبب ضغط داخلي أو بسبب تطورات عسكرية، ينعكس فوراً على الإنتاج.
التصعيد العسكري في 2026، واستهداف منشآت طاقة، أعادا هذا العامل إلى الواجهة. ففي حال تضررت الشبكة الكهربائية بشكل واسع، قد تتراجع مساهمة إيران في الهاشرايت العالمي على المدى القصير.
ومع ذلك، شبكة البيتكوين بطبيعتها لا تعتمد على دولة واحدة. إذا خرج جزء من المعدّنين، يتم تعديل الصعوبة تلقائياً كل حوالي أسبوعين، وتنتقل قوة التعدين إلى مناطق أخرى. هذه المرونة تمثل أحد أعمدة صمود الشبكة.
مقارنة بدول خاضعة للعقوبات
إيران ليست الدولة الوحيدة التي لجأت إلى العملات الرقمية لتخفيف أثر العقوبات. روسيا وفنزويلا وكوريا الشمالية استعملت تقنيات مختلفة في هذا السياق.
غير أن ما يميز النموذج الإيراني هو الجمع بين:
- تقنين رسمي للتعدين
- دعم مباشر للطاقة
- استعمال منظم نسبياً للأصول الرقمية عبر قنوات رسمية
هذا المزيج يجعل التجربة الإيرانية أقرب إلى « اقتصاد تشفير موازٍ » شبه مؤسسي، وليس مجرد نشاط غير قانوني أو سري بالكامل.
ماذا تعني هذه التجربة لمستقبل العملات الرقمية؟
التجربة الإيرانية تطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن للعملات الرقمية أن تتحول إلى بنية مالية بديلة للدول المعزولة عن النظام المالي العالمي؟
في حالات الاستقرار، تبقى العملات الرقمية أداة استثمار. لكن في حالات العقوبات أو الانهيار النقدي، تتحول إلى شريان اقتصادي.
ما يحدث في إيران يوضح أن البيتكوين والعملات المستقرة لم تعد مجرد أصول رقمية، بل يمكن أن تؤدي دوراً بنيوياً في أنظمة مالية موازية.
الخلاصة
آلة التشفير الإيرانية بقيمة 7.8 مليارات دولار ليست مجرد رقم مثير، بل انعكاس لتحول هيكلي بدأ منذ 2019 وتعمق مع مرور السنوات.
بالنسبة للدولة، تمثل العملات الرقمية أداة حيوية لتجاوز العقوبات وتأمين وارداتها خارج النظام المالي التقليدي.
بالنسبة للمواطنين، تمثل وسيلة دفاع أساسية ضد انهيار الريال والتضخم المتسارع.
وبين هذين الاستخدامين المتناقضين، تتشكل تجربة فريدة تكشف أن العملات الرقمية يمكن أن تتحول من أداة استثمارية إلى بنية مالية موازية كاملة.
المشهد يبقى مفتوحاً على تطورات سياسية واقتصادية دراماتيكية – كالضربات العسكرية الأخيرة التي تهدد استقرار الشبكة الكهربائية – قد تعيد تشكيل المعادلة في أي لحظة، لكن المؤكد أن العملات الرقمية أصبحت جزءاً لا يمكن تجاهله من الواقع المالي الإيراني.