في وقت تتباطأ فيه وتيرة نمو العملات الرقمية عالميًا، برزت المملكة العربية السعودية كحالة استثنائية داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعدما سجّلت أسرع نمو في الاقتصاد الرقمي المشفّر بنسبة +154% خلال عام واحد، وفق بيانات موثوقة من تقارير دولية متخصصة. هذا الرقم اللافت أعاد السعودية إلى واجهة النقاش حول مستقبل الكريبتو في المنطقة، ودفع كثيرين إلى التساؤل عمّا يقف خلف هذه القفزة السريعة.
ماذا تعني نسبة +154%؟
بحسب تقرير صادر عن شركة تحليل البلوكشين العالمية Chainalysis في أكتوبر 2024، سجّلت السعودية نموًا سنويًا (Year-over-Year) بنسبة 154% في أحجام التعاملات على السلسلة، عند مقارنة الفترة الممتدة من يوليو 2023 إلى يونيو 2024 بالفترة السابقة لها.
هذا الرقم يُعد الأعلى في كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال تلك الفترة، ويعكس طفرة حقيقية في استخدام العملات الرقمية داخل المملكة، وليس مجرد ارتفاع عابر أو موجة مضاربات قصيرة الأجل.
خلاصة سريعة:
- نمو سنوي قياسي: +154%.
- أعلى نسبة نمو في منطقة MENA.
- مبني على أحجام تعاملات on-chain حقيقية.
ما الذي دفع هذا النمو السريع في 2024؟
يرى محللو Chainalysis أن هذا الارتفاع الحاد نتج عن تلاقي عدة عوامل في وقت واحد. أول هذه العوامل هو التركيبة الديموغرافية، حيث إن نحو 63% من سكان السعودية تقل أعمارهم عن 30 عامًا، ما يخلق بيئة خصبة لتبنّي التقنيات المالية الحديثة.
العامل الثاني يتمثل في تحوّل النظرة الحكومية نحو البلوكشين، إذ لم يعد التركيز محصورًا في التداول والمضاربة، بل اتجه نحو استخدامات أوسع تشمل التكنولوجيا المالية، والألعاب القائمة على الويب الثالث، وترميز الأصول.
كما لعب الاهتمام المرتفع بالعملات البديلة (Altcoins) دورًا بارزًا، إذ أظهرت البيانات أن المستثمرين في السعودية يميلون إلى تحمل مخاطر أعلى مقارنة بالمتوسط العالمي.
دخول المؤسسات المالية التقليدية على الخط
من أبرز محركات النمو أيضًا، التدفق المتزايد للمؤسسات المالية التقليدية إلى الرياض. فقد شهدت السنوات الأخيرة افتتاح مكاتب إقليمية لكبرى المؤسسات العالمية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع مرتبطة بترميز الأصول المالية.
هذا التفاعل بين التمويل التقليدي والبلوكشين خلق بيئة هجينة، تدمج بين الثقة المؤسسية والابتكار التقني، وهو ما انعكس مباشرة على أحجام التعاملات الرقمية داخل المملكة.
مقارنة إقليمية: لماذا السعودية حالة استثنائية؟
للمقارنة، سجّلت دول أخرى في المنطقة مثل الإمارات العربية المتحدة أو مصر معدلات نمو أكثر اعتدالًا خلال الفترة نفسها، رغم امتلاكها أحجام تعاملات أكبر أو أطر تنظيمية أكثر تقدمًا. هذا الفارق في الوتيرة يبرز الطابع الاستثنائي للتجربة السعودية خلال عام 2024، حيث لم يكن النمو تدريجيًا بل قفزيًا مقارنة بجيرانها في المنطقة.
ماذا تغيّر في 2025؟ تباطؤ طبيعي لا تراجع
بعد هذا الارتفاع الاستثنائي في 2024، تشير التقارير الأحدث إلى أن وتيرة النمو تباطأت في 2025، وهو أمر طبيعي بعد عام غير اعتيادي. ورغم عدم نشر رقم نمو سنوي محدد للسعودية في 2025، إلا أنها ما تزال ضمن أكبر خمس دول في المنطقة من حيث أحجام التعاملات الرقمية.
وتقدّر بعض الدراسات أن حجم التعاملات السنوية في السعودية يتراوح بين 30 و 50 مليار دولار، مع استمرار هيمنة العملات المستقرة التي تمثل نحو 46% من إجمالي الأحجام، خصوصًا في مجالات التحوط والمدفوعات.
⚠️ ما الذي لا يعنيه رقم +154%؟
من المهم التوضيح أن هذا الرقم لا يعني أن السعودية أصبحت أكبر سوق للعملات الرقمية في المنطقة من حيث القيمة المطلقة. بل يشير إلى أنها حققت أسرع وتيرة نمو خلال فترة زمنية محددة، في حين ما تزال دول أخرى تتصدر من حيث إجمالي الأحجام المتداولة.
هذا التفريق ضروري لفهم المعطيات بدقة، وتجنّب الخلط بين مفهوم النمو السريع وحجم السوق الفعلي.
من نمو انفجاري إلى مرحلة النضج
يمكن وصف ما حدث في السعودية بأنه انتقال من مرحلة « النمو الانفجاري » إلى مرحلة النضج المؤسسي. ففي حين تراجعت وتيرة الاندفاع الفردي، تصاعد الاهتمام بالمشاريع طويلة الأجل المرتبطة بالبنية التحتية المالية والحوكمة الرقمية.
هذا التحول يعكس تغيرًا نوعيًا في طبيعة السوق، حيث أصبحت الاستدامة والتنظيم أهم من سرعة التوسع.
آفاق 2026: التنظيم والريال الرقمي
مع دخول عام 2026، تتجه الأنظار إلى الإطار التنظيمي المرتقب للعملات الرقمية في السعودية، والذي تعمل عليه الجهات النقدية والرقابية. ورغم أن العملات الرقمية ليست مُقنّنة بالكامل حتى الآن، فإنها ليست محظورة أيضًا، ما يفتح المجال أمام إطار قانوني أوضح خلال المرحلة المقبلة.
في موازاة ذلك، تواصل المملكة اختبار مشروع (CBDC) الريال الرقمي ضمن برامج تجريبية، خاصة على مستوى المدفوعات بين المؤسسات والتسويات العابرة للحدود. ويرى مراقبون أن أي تقدم ملموس في هذا الملف قد يشكل نقطة تحول في المشهد المالي المحلي.
صورة أشمل للمشهد السعودي
تجربة السعودية في العملات الرقمية خلال 2024 و 2025 تكشف مسارًا واضحًا: اندفاع سريع تقوده فئة شابة، يليه تثبيت مؤسسي وتنظيمي. ورغم تباطؤ النمو النسبي، لا تزال المملكة واحدة من أكثر البيئات الواعدة في المنطقة، خصوصًا مع ارتباط هذا القطاع برؤية اقتصادية طويلة الأمد.
ملاحظة: تبقى الأرقام والتوجهات قابلة للتحديث مع صدور بيانات جديدة أو إعلانات تنظيمية رسمية.